محمد بن جرير الطبري

33

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن زريع قال حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى ان علينا جمعه وقرآنه يقول حفظه وتأليفه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه يقول اتبع حلاله واجتنب حرامه ( وحدثنا ) محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور قال حدثنا معمر عن قتادة بمثله فرأى قتادة أن تأويل القرآن التأليف قال أبو جعفر ولكلا القولين أعنى قول ابن عباس وقول قتادة اللذين حكيناهما وجه صحيح في كلام العرب غير أن أولى قوليهما بتأويل قول اللّه تعالى ان علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه قول ابن عباس لان اللّه جل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله باتباع ما أوحى اليه ولم يرخص له في ترك اتباع شئ من أمره إلى وقت تأليفه القرآن له فكذلك قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه نظير سائر ما في آي القرآن التي أمره اللّه فيها باتباع ما أوحى اليه في تنزيله ولو وجب أن يكون معنى قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه فإذا ألفناه فاتبع ما ألفنا لك فيه لوجب أن لا يكون كان لزمه فرض اقرأ باسم ربك الذي خلق ولا فرض يا أيها المدثر قم فأنذر قبل أن يؤلف إلى ذلك غيره من القرآن وذلك ان قاله قائل خروج من قول أهل الملة وإذا صح أن حكم كل آية من آي القرآن كان لازما النبي صلى اللّه عليه وسلم اتباعه والعمل به مؤلفة كانت إلى غيرها أو غير مؤلفة صح ما قال ابن عباس في تأويل قوله فإذا قرأناه فاتبع قرآنه أنه يعنى به فإذا بيناه لك بقراءتنا فاتبع ما بيناه لك بقراءتنا دون قول من قال معناه فإذا ألفناه فاتبع ما ألفناه وقد قيل إن قول الشاعر ضحوا بأشمط عنوان السجود به * يقطع الليل تسبيحا وقرآنا يعنى به قائله تسبيحا وقراءة فان قال قائل وكيف يجوز أن يسمى قرآنا بمعنى القراءة وانما هو مقروء قيل كما جاز أن يسمى المكتوب كتابا بمعنى كتاب الكاتب كما قال الشاعر في صفة كتاب طلاق كتبه لامر أنه تؤمل رجعة منى وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء يريد طلاقا مكتوبا فجعل المكتوب كتابا * وأما تأويل اسمه الذي هو فرقان فان تفسير أهل التفسير جاء في ذلك بألفاظ مختلفة هي في المعاني مؤتلفة فقال عكرمة فيما ( حدثنا ) به ابن حميد قال حدثنا حكام بن سلم عن عنبسة عن جابر عن عكرمة أنه كان يقول هو النجاة وكذلك كان السدى يتأوله ( حدثنا ) بذلك محمد بن الحسين قال حدثنا أحمد بن المفضل قال حدثنا أسباط عن السدى وهو قول جماعة غيرهما وكان ابن عباس يقول الفرقان المخرج ( حدثني ) بذلك يحيى بن عثمان بن صالح قال حدثنا عبد اللّه بن صالح عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وكذلك كان مجاهد يقول في تأويله ( حدثنا ) بذلك ابن حميد قال حدثنا حكام عن عنبسة عن جابر عن مجاهد وكان مجاهد يقول في قول اللّه عز وجل يوم الفرقان يوم فرق اللّه فيه بين الحق والباطل ( حدثني ) بذلك محمد بن عمرو الباهلي قال حدثني أبو عاصم عن عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد فكل هذه التأويلات في معنى الفرقان على اختلاف ألفاظها متقاربات المعاني وذلك أن من جعل له مخرج من أمر كان فيه فقد جعل له ذلك المخرج منه نجاة وكذلك إذا نجى منه فقد نصر على من بغاه فيه سوءا وفرق بينه وبين باغيه بالسوء فجميع ما روينا عمن روينا عنه في معنى الفرقان قول صحيح المعنى لاتفاق